الخطيب البغدادي
183
تاريخ بغداد
بالأدب ، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر ، قال : فإنه ليدلك عينه من البكاء ، إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل ، فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء ، وجمع ثيابه وقام إلى فراشه فقعد عليها متربعا ثم قال : ليدخل ، فدخل فقمت عن المجلس ، وخفت أن يشكوني إليه ، فألقى منه ما أكره ، قال : فأقبل عليه بوجهه وحديثه ، حتى أضحكه وضحك إليه ، فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ، ثم سأل عني فجئت ، فقال : خذ علي ما بقي من جزئي ، فقلت أيها الأمير - أطال الله بقاءك - لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ، ولو فعلت ذلك لتنكر لي ، فقال : أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه إني أحتاج إلى أدب ؟ إذا يغفر الله لك بعد ظنك ووجيب قلبك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك مالا تراه أبدا ، ولو عدت في كل يوم مائة مرة . أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري ، أخبرنا المعافى بن زكريا ، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري حدثني أبي قال : قال منصور البرمكي : كانت لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده ، وتقف رأسه ، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد ، فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية ، إذ أشار إليها بقبلة ، فزبرته بحاجبها ، وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك ، فنظر إليها هارون فقال : ما هذا ؟ فتلكأت عليه ، فقال : ضعي ما معك ، علي كذا إن لم تخبريني لأقتلنك ، فقالت : أشار إلى عبد الله بقبلة ، فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه ، فاعتنقه وقال : أتحبها ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : قم فادخل بها في تلك القبة . فقام ففعل ، فقال له هارون : قل في هذا شعرا ، فأنشأ يقول : ظبي كنيت بطرفي * عن الضمير إليه قبلته من بعيد * فاعتل من شفتيه ورد أخبث رد * بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني * حتى قدرت عليه أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن بن الحسن بن المنذر المحتسب ، أخبرنا إسماعيل ابن سعيد المعدل ، أخبرنا أبو بكر بن دريد ، أخبرنا الحسن بن خضر قال : سمعت ابن أبي دؤاد يقول : أدخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال : ما حملك على خلافنا ؟